أبو الليث السمرقندي

17

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يشاء اللّه عز وجل . إن شاء بسطه مسيرة يوم أو أكثر وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً يعني : قطعا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يعني : المطر يخرج من خلاله ، من وسط السحاب فَإِذا أَصابَ بِهِ يعني : بالمطر مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يعني : يفرحون بنزول المطر عليهم قرأ ابن عامر كِسَفاً بالجزم . وقرأ الباقون : بالنصب . ثم قال عز وجل : وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ أي : من قبل نزول المطر عليهم . لَمُبْلِسِينَ يعني : آيسين من المطر . وقال الأخفش : تكرير قبل للتأكيد . وقال قطرب : الأول للتنزيل ، والثاني للمطر . ثم قال : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ يعني : ألوان النبات من أثر المطر منه الأخضر ، والأحمر ، والأصفر . قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر إلى آثار رحمة اللّه بلفظ الجماعة . قرأ الباقون بلفظ الوحدان ، لأن الوحدان يغني عن الجمع . ثم قال : كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها حين لم يكن فيها نبات إِنَّ ذلِكَ يعني : هذا الذي فعل لَمُحْيِ الْمَوْتى في الآخرة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا يعني : الزرع متغيّرا بعد خضرته لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ يعني : لصاروا ، وأصله العمل بالنهار . ويستعمل في موضع صار كقوله أصبح وأمسى يوضع موضع صار مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ أي : من بعد اصفراره يكفرون النعم . يقول : لو فعلت ذلك لفعلوا هكذا . ويقال : قوله : فَرَأَوْهُ إشارة إلى النبات ، لأن الريح مؤنثة . وإنما أراد ما ينبت بالمطر . ويقال : معناه أنهم يستبشرون إذا رأوا الغيث ، ويكفرون إذا انقطع عنهم النبات . ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 52 إلى 60 ] فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( 52 ) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 56 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 57 ) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 )